آخر أخبار الشفافية

التصدي للفساد بسلاح الوضوح

Print Friendly

كلمة السيدة كريستين لاغارد، مدير عام صندوق النقد الدولي

معهد بروكينغز، واشنطن العاصمة، 18 سبتمبر 2017

18 سبتمبر 2017

مقدمة

شكرا نورم على هذا التقديم الكريم وعلى المساعدة في تنظيم المنتدى الذي نعقده اليوم. وأتوجه بالشكر أيضا إلى معهد بروكينغز ومؤسسة التمويل الدولية وصندوق الشراكة من أجل الشفافية – لا سيما السيد فرانك فوغيل – على استضافة هذه الفعالية المهمة.

كريك، ونغوزي، وهانز، وبيتر – أتطلع إلى الحوار معكم.

قلت إن هذه فعالية مهمة. لماذا؟ لأن التصدي للفساد يتطلب منا اعترافا صريحا بالمشكلة وقياس تأثيرها بأدق صورة ممكنة. لذلك فإن لقاءنا اليوم الذي يضم لفيفا من صناع السياسات وقادة الأعمال وخبراء المجتمع المدني يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح.

وعندما أتحدث عن الفساد، دائما ما أتذكر تلك اللحظة الشهيرة من فيلم كازابلانكا (Casablanca) عندما يغلق الكابتن رينو صالة القمار في مقهى ريكس. حينها قال ” أنا مصدوم، مصدوم أن أجدكم تسمحون بممارسة القمار هنا” – وهو ما لم يمنعه بالطبع من أن يدس في جيبه نصيبه من الأرباح قبل مغادرة المقهى.

ولكننا نحن لا نشعر بالصدمة – فنحن نعلم أن الفساد مشكلة ونسعى لإيجاد حل لها. وهذا هو سبب اجتماعنا هذا الصباح.

وأود البدء بالإجابة عن ثلاثة أسئلة كثيرا ما نسمعها في سياق عمل الصندوق والعمل المعني بمكافحة الفساد. أولا، ما هو تعريف الصندوق للفساد؟ ثانيا، لماذا يشارك الصندوق في جهود مكافحة الفساد؟ ثالثا، ما الإجراءات الأخرى التي يمكن للصندوق اتخاذها لمساعدة البلدان الأعضاء في مكافحة الفساد؟

1 – ماذا نعني بالفساد؟

الصندوق، على غرار المنظمات الدولية الأخرى، يعرف الفساد العام بأنه “استغلال الوظيفة العامة للحصول على مكاسب خاصة”.

ولكن ما معنى هذا من الناحية العملية؟ نعلم جميعا أن الفساد مشكلة معقدة غالبا ما تنطوي على أطراف عديدة تعمل في الخفاء.

وحسبنا أن ننظر في مثال واحد – وهو الرشوة في الصناعات الاستخراجية.

نعم، قد يطلب الرشوة مسؤول محلي، وقد يعمد وزير إلى غض الطرف، لكن ماذا عن الشركة التي تقدم الرشوة؟ لا شك أنها متورطة في هذه الصفقة غير المشروعة أيضا.

ففي نهاية المطاف، أي رشوة يقبلها طرف لا بد أن تكون مقدمة من طرف آخر.

لذلك نساعد بلداننا الأعضاء في مكافحة الفساد في القطاع العام، ونلتزم في نفس الوقت بالنظر إلى الأطراف الفاعلة في القطاع الخاص عبر الحدود التي تؤثر على موظفي القطاع العام. فالأطراف الفاعلة في القطاع الخاص قد تساعد في نشأة الفساد بطرق مباشرة كالرشوة، ولكنها يمكن أيضا أن تسهل الفساد بطرق غير مباشرة مثل غسل الأموال والتهرب الضريبي.

وهناك مثال شهدناه مؤخرا، وهو “وثائق بنما” التي تبرز أهمية دور الأطراف الميسرة للفساد وتؤكد إمكانية تسلل الفساد خلسة عبر الحدود.

وحتى يكون منهجنا فعالا، يجب أن يراعي معطيات الواقع العملية المرتبطة بالمشكلة وأن يستهدف الكشف عن أبعاد الفساد الكثيرة والمختلفة.

2 – لماذا يشارك الصندوق في مكافحة الفساد ولماذا الأن؟

يقودني هذا إلى السؤال الثاني. لماذا طُلب إلى الصندوق عمل المزيد لمكافحة الفساد ولماذا الآن؟ والإجابة هي أن هناك توافقا متناميا بين البلدان الأعضاء على أن الفساد قضية مؤثرة على الاقتصاد الكلي في كثير من البلدان.

وبفضل جهود بعض الحاضرين في هذه القاعة، بات من الواضح أن الفساد النظامي يضعِف قدرة الدول على تحقيق النمو الاحتوائي وانتشال الشعوب من دائرة الفقر. فالفساد قوة هدامة تجرد النشاط التجاري من حيويته وتضعف لإمكانات الاقتصادية في البلدان المتأثرة.

وتتراوح التكلفة السنوية للرشوة – وهي شكل واحد فقط من أشكال الفساد – بين 1.5 تريليون و2 تريليون دولار أمريكي – أي 2% تقريبا من إجمالي الناتج المحلي العالمي .1 وهذه التكاليف هي “قمة جبل الجليد” فقط – أما الآثار طويلة الأجل فهي أعمق بكثير.

تصوروا مثلا أن حكومة ما تنفق من أموال دافعي الضرائب لبناء مركز مؤتمرات جديد فاخر ولكنه غير ضروري، بينما تهدف في الحقيقة إلى تمرير الرشاوى من خلاله.
وبعد مرور عام على بداية أعمال البناء، يتبين أن أموال الخدمات الاجتماعية المحفوظة في الخزائن العامة لم تعد متاحة للمستفيدين الأصليين.
وبمرور الوقت، يؤدي تحويل الأموال من قطاع التعليم أو الرعاية الصحية إلى استمرارية عدم المساواة، كما يحد من فرص توفير وظائف بأجور أعلى وتهيئة حياة أفضل.
ومع اكتساب هذا الفساد طابعا مؤسسيا، يزداد انعدام الثقة في الحكومة ويضعف قدرة البلد على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر.
والنتيجة هي حلقة من الآثار السلبية المرتدة يصعب الخروج منها.

ويشعر أبناء جيل الألفية بوطأة هذا الواقع. فقد أشار مسح أجري مؤخرا على الشباب في مختلف أنحاء العالم إلى أنهم يعتبرون الفساد، وليس الوظائف أو نقص التعليم، هو الشاغل الأكثر إلحاحا في بلدانهم.2

وثمة قدر من الحكمة في هذا الرأي – لأن الفساد هو أحد الأسباب الجذرية وراء كثير من مظاهر الظلم الاقتصادي التي يواجهها الشبان والشابات بصفة يومية.
ويدرك الشباب حقيقة أخرى هي أن الفساد لا يقتصر على نوع واحد من البلدان أو النظم الاقتصادية – بل يمكنه التأثير على جميع البلدان. فممارسات الفساد الشائنة قد تتخذ أشكالا متنوعة، من الاختلاس إلى محاباة الأقارب وتمويل الإرهاب، حسب البيئة الحاضنة له.

ويقودني هذا إلى سؤالي الأخير ونقطة البداية لحوارنا اليوم. ما الإجراءات التي اتخذناها بالفعل، وما الإجراءات الإضافية التي يمكن للصندوق اتخاذها لمساعدة البلدان الأعضاء في التصدي لجميع أشكال الفساد؟

3 – كيف يستطيع الصندوق تقديم العون؟

تشكل مكافحة الفساد جزءا من عمل الصندوق منذ أمد بعيد. وقد استعرض المجلس التنفيذي في الشهر الماضي ما تحقق من تقدم في هذا الصدد وأعرب عن التزامه بمواجهة هذه المشكلة على نحو أكثر مباشرة في الفترة المقبلة.3 

واتفق المجلس على أن البلدان الأعضاء ستستفيد من زيادة المشورة المفصلة التي يقدمها الصندوق، ومن إجرائه تقييمات صريحة ومتكافئة بين البلدان تقيس أثر الفساد على الاقتصاد.

ولتحقيق هذا الهدف، ينبغي استخدام منهجيات جديدة لقياس حجم المشكلة وتحليلها بصورة أفضل. ولذلك يسرني أن اجتماع اليوم سيشهد انطلاق مبادرتين بحثيتين جديدتين بشأن الفساد تحت قيادة معهد بروكينغز ومؤسسة التمويل الدولية وشركائهما.

وأنا أعلم أن الصندوق سيستفيد من عملكم – وأثق أن خبرتنا ستفيدكم أيضا. واسمحوا لي أن أستفيض قليلا في الحديث عن تلك الخبرة.

عملنا في الصندوق، على غرار عملكم، يبدأ بإطلاق مبادرات تهدف إلى تعزيز الشفافية والمساءلة. وكما قال لويس برانديس، قاضي المحكمة العليا، إن “نور الشمس هو أفضل مطهر على الإطلاق”.

ففي غابون على سبيل المثال، وبعد التشاور مع خبراء الصندوق، التزمت الحكومة بنشر بيانات عن جميع الاستثمارات العامة الكبرى المدرجة في موازنة العام القادم. وبحلول عام 2020، سيحدد قانون الموازنة المخاطر المالية المرتبطة بكل شركة من الشركات العامة، بما فيها الشركات العاملة في قطاع الصناعات الاستخراجية.

ويترافق هذا العمل مع جهود الصندوق في مجال الإصلاح التنظيمي وتعزيز المؤسسات القانونية.

والإصلاح التنظيمي لا يعني بالضرورة إلغاء القواعد التنظيمية، ولكن المقصود هو تبسيط هذه القواعد لتقليل عدد “حراس البوابة” المسؤولين عن التراخيص والرسوم والعقود.

وعلى الجانب القانوني، غالبا ما تكون المؤسسات المسؤولة عن إنفاذ القانون – الشرطة ووكلاء النائب العام والقضاء – هي الأرض الخصبة التي ينشأ فيها الفساد.
ففي أوكرانيا على سبيل المثال، دعت الحكومة الصندوق لمساعدتها في إجراء مراجعة شاملة للفساد المحلي. وأدى التقرير اللاحق إلى سلسلة من الإصلاحات، منها إنشاء مكتب وطني لمكافحة الفساد.

وهذه الإصلاحات ليست سوى خطوات أولى. إذ يحتاج المحققون إلى مزيد من السلطات لملاحقة الجناة المشتبه فيهم، كما يتعين منح وكلاء النائب العام الصلاحيات اللازمة لإحالة التهم إلى محكمة مختصة بمكافحة الفساد.

وحالة أوكرانيا تؤكد التحدي الأكبر الذي نواجهه: فإحداث أثر دائم يستلزم العمل المنسق بين المنظمات الدولية والمجتمع المدني والقادة السياسيين. ويتعين أيضا أن نكون واقعيين بشأن السرعة التي سيتحقق بها التقدم في هذا الصدد. فالثقافات والعادات، جيدة كانت أم سيئة، لا يمكن تغييرها بين ليلة وضحاها.

فالفساد غالبا ما يكون مستترا وصعب القياس، ومن ثم قد يستغرق الأمر عدة سنوات حتى تؤتي السياسات الجديدة ثمارها. وفي نفس الوقت، تمانع بعض الحكومات حتى في خوض هذه القضية لأنها تنظر إلى الفساد كمشكلة سياسية وليست اقتصادية. ولكن ذلك لا يبرر التوقف عن المضي قدما في هذا المسار.

وأنا أؤمن بأن الصندوق لن يكون ملتزما بالمهمة الموكلة إليه إلا إذا تحدث عن الفساد بوضوح وأتاح كل ما لديه من أدوات لمساعدة البلدان الأعضاء على التصدي له. وأعلن التزامي أمامكم هذا الصباح بأن الصندوق يستطيع عمل المزيد في الأيام القادمة، وسوف يفعل.

الخاتمة

وختاما أعود إلى فيلم كازابلانكا – لا، لن أقودكم في أغنية حماسية لأداء النشيد الوطني الفرنسي – رغم أنه أمر مُغْرٍ.

قلت في بداية كلمتي أن هذه فعالية مهمة. لم يكن هذا على سبيل المجاملة لمنظميه. فالقيام بجهد عالمي منسق لوقف الفساد يمكن أن يجعل العالم أكثر رخاء ويجعل الحياة أفضل لكل مواطن فيه.

وهنا أقتبس بتصرف كلمات همفري بوغارت: “أعتقد أن هذه بداية لحوار رائع”!

شكرا جزيلا لكم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*